الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الاستاذ صلاح عبد الستارالنجار- من اعلام القرية فى علوم اللغة العربية

               نموزج فريد واصالة مستمدة من روح القيم  وإباء النفس  وشرف الاصل ولين الجانب وحسن السمت
             فهو علم من علماء اللغة العربية الافاضل واستاذا لاجيال كنت احدهم تعلمنا ولازلنا نتعلم منه الكثير والكثير
            وهو احد المناضلين بالكلمة فى مواطن الحق  وهو احد المراجع اللغوية  التى يفخر بها كل طالب علم  فالبلاغة
            هو منهلها والبيان هو منطقه والصدق هو ديدنه والرقة والعذوبة هما صنوانه ولابد لكل جيل ان يرجع الفضل لاهله
               ومن باب الادب -   اتقدم اليه بجزيل الشكر وجميل العرفان -


                              ابنكم واخيكم سامى العقيبى

الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

محمد صلى الله عليه وسلم -اعظم الخلق- وافضل الرسل-


المؤمنون يصدِّقون بجميع الأنبياء والرسل ، والكتب المُنَزَّلة من السماء ، على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يُفَرِّقون بين أحدٍ منهم ، فَيُؤْمِنُون بِبَعْضٍ ويَكْفُرون ببعض ، بل الجميع عندهم صادقون بَارُّون راشدون مَهْدِيُّون هادون إلى سبيل الخير ، وإنْ كان بعضهم يَنْسَخ شريعة بعض ، حتى نُسِخَ الجميع بشرع محمدٍ خَاتَم الأنبياء والمرسَلِين ، الذي تَقُومُ الساعة على شريعَتِهِ . تفسير ابن كثير1/736

أما تفاضل الأنبياء بعضهم على بعض فإن الله عز وجل أخبرنا بذلك فقال : ( تِلْكَ الرُّسل فضَّلنا بعضهم على بعضٍ منهم من كَلَّم الله ورَفَعَ بعضهم دَرَجَاتٍ ) البقرة/253 ، فأخبرنا الله أن بعضهم فوق بعض درجات ولذلك كان المصطفى من الرسل هم ألو العزم قال تعالى : ( وإذ أخذنا من النَّبيينَ ميثاقَهُمْ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ) الأحزاب/7 .

ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم ويَدَلُّ لذلك أنه إمامهم ليلة المعراج ، ولا يقدم إلا الأفضل ومما يدل على أنه أفضلهم ما جاء عن أَبُي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ " رواه مسلم ( الفضائل/4223)

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة , وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر , وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع ) قَالَ الْهَرَوِيُّ : السَّيِّد هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمه فِي الْخَيْر , وَقَالَ غَيْره : هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي النَّوَائِب وَالشَّدَائِد , فَيَقُومُ بِأَمْرِهِمْ , وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَكَارِههمْ , وَيَدْفَعُهَا عَنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَوْم الْقِيَامَة ) مَعَ أَنَّهُ سَيِّدهمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة , فَسَبَبُ التَّقْيِيد أَنَّ فِي يَوْم الْقِيَامَة يَظْهَرُ سُؤْدُده لِكُلِّ أَحَدٍ , وَلا يَبْقَى مُنَازِع , وَلا مُعَانِد , وَنَحْوه , بِخِلافِ الدُّنْيَا فَقَدْ نَازَعَهُ ذَلِكَ فِيهَا مُلُوكُ الْكُفَّار وَزُعَمَاء الْمُشْرِكِينَ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم ) لَمْ يَقُلْهُ فَخْرًا , بَلْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْفَخْر فِي غَيْر مُسْلِم فِي الْحَدِيث الْمَشْهُور : ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلا فَخْرَ ) وَإِنَّمَا قَالَهُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا اِمْتِثَال قَوْله تَعَالَى : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ ) وَالثَّانِي أَنَّهُ مِنْ الْبَيَان الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغه إِلَى أُمَّته لِيَعْرِفُوهُ , وَيَعْتَقِدُوهُ , وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ , وَيُوَقِّرُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا تَقْتَضِي مَرْتَبَتُهُ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى . وَهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِتَفْضِيلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ; لأَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ الآدَمِيِّينَ أي أهل الطاعة والتقى أفضل مِنْ الْمَلائِكَة , وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل الآدَمِيِّينَ وَغَيْرهمْ . وَأَمَّا الْحَدِيث الآخَر : " لا تُفَضِّلُوا بَيْن الأَنْبِيَاء " فَجَوَابه مِنْ خَمْسَة أَوْجُه : أَحَدهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّد وَلَد آدَم , فَلَمَّا عَلِمَ أَخْبَرَ بِهِ . وَالثَّانِي قَالَهُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا . وَالثَّالِث أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيص الْمَفْضُول . وَالرَّابِعإِنَّمَا نَهْيٌ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَة وَالْفِتْنَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي سَبَب الْحَدِيث . وَالْخَامِس أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالتَّفْضِيلِ فِي نَفْس النُّبُوَّة , فَلا تَفَاضُلَ فِيهَا , وَإِنَّمَا التَّفَاضُل بِالْخَصَائِصِ وَفَضَائِل أُخْرَى وَلا بُدَّ مِنْ اِعْتِقَادِ التَّفْضِيل , فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) وَاَللَّه أَعْلَم .أهـ

وخصائص النبي صلى الله عليه وسلم التي تؤكد أفضليته على باقي الرسل كثيرة نذكر بعضا منها مما جاء في الكتاب والسنة :

أن الله عز وجل خصَّ القرآن الكريم المُنَزَّل عليه بالحفظ دون غيره من الكتب ، قال تعالى : ( إنّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون ) الحجر/9 ، أما الكتب الأخرى فقد وَكَلَ الله أمْرَ حفظها إلى أهلها قال تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يَحْكُم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربَّانِيُّون والأحبار بما اسْتُحْفِظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) المائدة/44 .

أنه خاتم الأنبياء والمرسلين قال تعالى : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) الأحزاب/40 .

اختصاصه بأنه أرسل إلى الناس عامة قال تعالى : ( تَبَارَكَ الذي نَزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ) الفرقان/1 .

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم في الأخرة :

أنه صاحب المقام المحمود يوم القيامة قال تعالى : ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يَبْعَثَكَ ربك مقاماً محموداً ) الإسراء/79 ، قال ابن جرير : قال أكثر أهل التأويل : ذلك المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم للشفاعة يوم القيامة للناس ، لِيُرِيحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم . تفسير ابن كثير5/103

أنه سيد الخلق يوم القيامة ، وتقدم ذكر الحديث فيه .

أنه أول من يَجُوزُ الصِّراط بأمته يوم القيامة أخرج البخاري في ذلك حديث أبي هريرة الطويل ، وفيه ….." فأكون أول من يَجُوزُ من الرسل بأمته " (الأذان/764) . ومن الأدلة الواضحة على أنه أفضل الأنبياء أنهم كلهم لا يشفعون ، ويحيل الواحد منهم الناس على الآخر ، حتى يحيلهم عيسى على محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقول : أنا ، ثمَّ يتقدم فيشفع للجميع ، فيحمده على ذلك الأولون والآخرون ، والأنبياء وسائر الخلق .

وخصائصه عليه الصلاة والسلام التي وردت الآيات والأحاديث الصحيحة أكثر من أن نذكرها في مقام مُوجَز ، فقد أُلِّفَتْ فيها الكتب .

انظر كتاب خصائص المصطفى صلى الله عيه وسلم بين الغلو والجفاء للصادق بن محمد 33-79

والخلاصة : أننا نفضل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء والناس ، للأدلة الواردة في ذلك ، مع حفظنا لحقوق جميع الأنبياء والمرسلين والإيمان بهم وتوقيرهم . والله تعالى أعلم .


أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض ، وعلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل ، ويدل عليه وجوه :

أحدها : قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) [ الأنبياء : 107 ] فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين .

الحجة الثانية : قوله تعالى : ( ورفعنا لك ذكرك ) [ الشرح : 4 ] فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد ، ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك .

الحجة الثالثة : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته ، فقال : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) [ النساء : 80 ] وبيعته ببيعته فقال : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) [ الفتح : 10 ] وعزته بعزته فقال : ( ولله العزة ولرسوله ) [ المنافقون : 8 ] ورضاه برضاه فقال : ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) [ التوبة : 62 ] وإجابته بإجابته فقال : ( ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ) [ الأنفال : 24 ] .

الحجة الرابعة : أن الله تعالى أمر محمدا بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال : ( فأتوا بسورة من مثله ) [ البقرة : 23 ] وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات ، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن ، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية ، وكذا آية ، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزا واحدا بل يكون ألفي معجزة وأزيد .

[
ص: 166 ] وإذا ثبت هذا فنقول : إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات ، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى .

الحجة الخامسة : أن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء .


الحجة السادسة : أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية ، وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى آخر الدهر ، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية .

الحجة السابعة : أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 90 ] فأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله ، فإما أن يقال : إنه كان مأمورا بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد ، أو في فروع الدين وهو غير جائز ، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع ، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق ، فكأنه سبحانه قال : إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم ، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديا بهم في كلها ، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقا فيهم ، فوجب أن يكون أفضل منهم .

الحجة الثامنة : أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر ، فوجب أن يكون أفضل ، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) [ سبأ : 28 ] وأما إن ذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر فلأنه كان إنسانا فردا من غير مال ولا أعوان وأنصار ، فإذا قال لجميع العالمين : يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له ، وحينئذ يصير خائفا من الكل ، فكانت المشقة عظيمة ، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدا إلا من فرعون وقومه ، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له ، يبين ذلك أن إنسانا لو قيل له : هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيدا وبلغ إليه خبرا يوحشه ويؤذيه ، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك ، مع أنه إنسان واحد ، ولو قيل له : اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنيس ولا صديق ، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان ، أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأمورا بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم ، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه ، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ ، بل سارع إليها سامعا مطيعا ، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق ، ولهذا قال تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) [ الحديد : 10 ] ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول ، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره ..

[
ص: 167 ] الحجة التاسعة : أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان ، فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء .

بيان الأول : أنه تعالى جعل الإسلام ناسخا لسائر الأديان ، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام : " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثوابا ، كان واضعه أكثر ثوابا من واضعي سائر الأديان ، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء .

الحجة العاشرة : أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم ، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء .

بيان الأول قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) [ آل عمران : 110 ] .

بيان الثاني : أن هذه الأمة إنما نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [ آل عمران : 31 ] وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع ، وأيضا إن محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ثوابا لأنه مبعوث إلى الجن والإنس ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر ، لأن لكثرة المستجيبين أثرا في علو شأن المتبوع .

الحجة الحادية عشرة : أنه عليه السلام خاتم الرسل ، فوجب أن يكون أفضل ، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول .

الحجة الثانية عشرة : أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور :

منها : كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم ، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف ، وهي بالجملة على أقسام ، منها ما يتعلق بالقدرة ، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، وإروائهم من الماء القليل ، ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن الغيوب ، وفصاحة القرآن ، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل ، نحو كونه أشرف نسبا من أشراف العرب ، وأيضا كان في غاية الشجاعة. وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب .

الحجة الثالثة عشرة : قوله عليه السلام : " آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة " وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده ، وقال  : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر "

[
ص: 168 ] الحجة الرابعة عشرة :قال تعالى مبيناً عنايته برسوله ورعايته له وحفاوته به: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى]
قال ابن كثير: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال: سمعت جُندباً يقول: اشتكى النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يَقُم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
قال ابن كثير: ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الأسود ابن قيس عن جندب بن عبد الله البجلي ثم العلقي به. وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس سمع جندباً قال: أبطأ جبريل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال المشركون وَدَّع محمداً ربُّه فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
قلتُ: يُدافع عن نبيِّه الكريم -صلى الله عليه وسلم-.
ثم قال-رحمه الله-: «وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من ضِياء والليل إذا سَجَى أي سَكَن فأظلم وادلهم: قاله مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم وذلك دليل على قدرة خالقِ هذا وهذا.

الحجة الخامسة عشرة : روى مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر ، بعثت إلى الأحمر والأسود ، وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي ، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا " وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره .

الحجة السادسة عشرة : قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى : إن كل أمير فإنه تكون مؤنته على قدر رعيته ، فالأمير الذي تكون إمارته على قرية تكون مؤنته بقدر تلك القرية ، ومن ملك الشرق والغرب احتاج إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير تلك القرية فكذلك كل رسول بعث إلى قومه فأعطي من كنوز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما حمل من الرسالة ، فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض إنما يعطى من هذه الكنوز الروحانية بقدر ذلك الموضع ، والمرسل إلى كل أهل الشرق والغرب إنسهم وجنهم لا بد وأن يعطى من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بسعيه بأمور أهل الشرق والغرب ، وإذا كان كذلك كانت نسبة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبوة سائر الأنبياء كنسبة كل المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد المخصوصة ، ولما كان كذلك لا جرم أعطي من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله ، فلا جرم بلغ في العلم إلى الحد الذي لم يبلغه أحد من البشر قال تعالى في حقه : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) [ النجم : 10 ] وفي الفصاحة إلى أن قال : " أوتيت جوامع الكلم " وصار كتابه مهيمنا على الكتب وصارت أمته خير الأمم .

الحجة السابعة عشرة : رقال تعالى: ﴿ن * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
قال المشركون فيه -صلى الله عليه وسلم- ساحر ومجنون... فدافع الله تعالى عن رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- وردَّ على أعدائه وأخزاهم وبيَّن مكانته -صلى الله عليه وسلم-.
قالت عائشة-رضي الله عنها-: ( كان خلقه القرآن ). ولنا فيه أسوة -صلى الله عليه وسلم-.
وقال تعالى:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران (159)] .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما-قال: ( لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاحشاً ولا مُتَفَحِشاً وكان يقول: إنَّ مِنْ خيارِكم أحسنِكم أخلاقاً ) 
قلت شهد الله له بحسن الخلق وإن كان خلقه القرآن فمن خير منه .
الحجة الثامنة عشرة : في " الصحيحين " عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون : ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بناؤك ؟ فقالمحمد : كنت أنا تلك اللبنة " .
وعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّفكان هو خير الناس لأهله وفضل على العالمين في ذلك .
الحجة التاسعة عشرة : أن الله تعالى كلما نادى نبيا في القرآن ناداه باسمه ( ياآدم اسكن ) [ البقرة : 35 ] ، ( وناديناه أن ياإبراهيم ) [ الصافات : 104 ] ، ( ياموسى إني أنا ربك ) [ طه : 11 ، 12 ] وأما النبي عليه السلام فإنه ناداه بقوله : ( ياأيها النبي ) [الأنفال : 64 ] ، ( ياأيها الرسول ) [ المائدة : 41 وذلك يفيد الفضل.


                                            سامى العقيبى

الثلاثاء، 21 أغسطس 2012

غرور العلم بين العالم والمتعلم


# غرور العلم :
فهناك غرور العلم وهو أشد أنواع الغرور على الإطلاق ودعاة الإسلام أكثر الناس تعرضاً للإصابة بجرثومته الفتاكه فالخطابة والكتابة والتعليم والتوجيه وسواها من وسائل الدعوة فضلاً عن الشهادات والدرجات العلمية والألقاب الجامعية فإنها تعتبر من أوسع مداخل الشيطان إلى النفس البشرية لأنها مجلبة للشهرة ملفتة للأنظار مثيرة للإعجاب وفي هذا ما فيه من عوامل الإشباع والإملاء لرغائب النفس وجوعاتها البشرية وهذا ما لفت الرسول صلى الله عليه وسلم النظر إليه بقوله ( آفة العلم الخيلاء ) ولقد حذر الرسول عليه الصلاة السلام من مغبة الانسياق إليه والوقوف فيه فقال ( من تعلم العلم ليجارى به العلماء ويمارى به السفهاء ويضرب به وجوه الناس إليه أدخله الله النار ) .
فعلى دعاة الإسلام أن يكونوا شديدي الاحتراس من الوقوع في هذا المرض العضال وليعلموا أن الله الذي منحهم ملكة الخطابة وموهبة الكتابة وقوة التفكير قادر على أن يسلبهم هذه النعم من حيث لا يشعرون وإن من حق الله عليهم أن يكونوا شاكرين لفضله غير جاحدين ولا كافرين { ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } .
وإن من علائم الشكر لنعمة الله تعالى وفضله زيادة الخوف منه والإقبال على طاعته والإدبار عن معصيته والتواضع لجلاله وعظمته فضلاً عن تسخير العلم لتعليم الناس وهدايتهم وتوجيههم وإرشادهم وعلى دعاة الإسلام أن يحاسبوا أنفسهم دبر كل حديث ألقوه أو خطاب ارتجلوه أو مقال كتبوه أو اجتماع أداروه ليطمئنوا إلى أن مشاعر العجب وأحاسيس الكبر لم توقظها طلاقة لسان أو حسن بيان أو مظاهر إعجاب واستحسان وأن عليهم أن ينظفوا مشاعرهم من كل ما يشوبها ويلوثها وليعلموا أن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له وأنه هو القائل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيها قسمته ).

# غرور التدين :
وهناك نوع آخر من الغرور يسمى التدين وأكثر ما يصيب هذا الداء المتنطعين الذين يشادون الدين ويبالغون في التدين وقد يصيب كذلك الأشخاص الذين لم ينم تدينهم نمواً طبيعياً أو يتوفر تدريجياً مرحلياً لهذا حرص الإسلام على الاعتدال والتوسط في كل أمر حتى في التدين وجاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تنهي عن التفريط والإفراط والغلو والبالغة في كل شئ فقال صلى الله عليه وسلم ( ما شاد هذا الدين أحد إلا قصمه ) ( إن  هذا الدين شديد فأوغلوا فيه برفق )( ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ) كل ذلك ليسد على النفس البشرية مداخل الشيطان وليكلفها ما تطيق فإن المنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع وأن الله يحب من الأعمال أدومها وإن كان قليلاً ).
إن التدين الصحيح ينبغي أن يكون عاملاً من عوامل تزكية النفس وطريقاً يصل بالمتدينين إلى ذروة الكمال البشرية حتى يتحقق في كمال العبودية كمال الحرية الكاملة من كل النزعات والأهواء ويوم يكون التدين رمزاً للمباهاة والتفاخر ومصدراً للغرور والتكبر يصبح المتدين في خطر كبير وشر مستطير لأن التدين لديه يكون قد فقد حقيقته ومعناه ومن خلال هذا المعنى نستطيع أن نستشف معنى قول الله لداود عليه السلام ( أنين المذنبين أحب إلى من صياح العابدين ).
فليتدبر الدعاة أمورهم وليخلصوا لله قلوبهم وليزدهم التدين تواضعاً وإياهم والغرور فإنه قاصم للظهور مبدد للحسنات موجب لسخط الله و العياذ بالله تعالى ، ويروى في هذا القبيل أن رجلاً ببني إسرائيل كان يقال له خليع بنى إسرائيل لكثرة فساده ، مر برجل آخر يقال له عابد بنى إسرائيل  ، وكان على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع به قال الخليع في نفسه : أنا خليع بنى إسرائيل وهذا عابد بنى إسرائيل فلو جلست إليه لعل الله يرحمني فجلس إليه فقال العابد : أنا عابد بنى إسرائيل وهذا خليع بنى إسرائيل فكيف يجلس إلى فأنف منه وقال له قم عنى فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمن ( مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد وتحولت الغمامة إلى رأس الخليع ).

# غرور الشخصية :
وثمة نوع آخر من الغرور يسمى بغرور الشخصية وغرور الشخصية يتأتى من إعجاب المرء بنفسه بشكله أو صورته أو هيبته أو شخصيته أو قامته أو لباسه أو ما أشبه ذلك ، فالشكل الحسن واللحية المهيبة واللباس الأنيق والعمامة الكبيرة والجبة الفضفاضة وسواها من المظاهر قد تكون عامل غواية ومنفذاً من منافذ الشيطان إلى النفس البشرية وبخاصة إذا قوبلت من الآخرين بالاستحسان والمديح والإطراء والإطناب والإعجاب وهنا تكمن الحكمة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم :(لقد قصمت ظهر أخيك ).
ويكفي أن يعلم الأخوة الدعاة أن المظاهر لا تغني عن الجواهر شيئاً فالعبرة بما في الباطن والقيمة تكمن في اللباب لا في القشور ؟وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :(إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ).
وحبذا لو يتوفر حسن المظهر وحسن الجوهر ......
إن على الدعاة الإسلام أن يغالبوا خداع المظهر باعتماد الجوهر وإذا داخلهم شئ من وسوسات الشيطان وأحسوا في نفوسهم بانتفاخ من نفخ إبليس وهم أمام المرآة معجبين بأشكالهم فليمعنوا التفكير بما تحت الجلد وفيما داخل هذا الهيكل وعندها سيدركون حقيقة هذا الجسد فتحت الجلد تجري الدماء والصديد في الأمعاء تعيش الديدان والأقذار وفي الكليتين يتجمع البول { قتل الإنسان ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره} .
ثم ليعودوا بأفكارهم إلى الوراء قليلاً يوم كانوا كتلة مخاطبة تعيش بين الدماء ثم جعل الله لهم الأسماع والأبصار والأفئدة والأطراف وأخرجهم من مجرى البول ليشكروه ولا ليكفروه وليلتزموا حدودهم فلا يتجاوزوها وليعرفوا أن قيمتهم الحقيقية  لا تكمن  في هذا الحطام البالي وإنما تعدوه إلى القيم الروحية والخلقية والإنسانية التي يتحلون بها.

دعاة الإسلام في طاعة الله  
من واجبات الأخ الداعي أن يتابع نفسه وروحه بما يصلحها ويزكيها ...وعليه أن لا يتساهل أو يلين في مراقبتها ومحاسبتها لأن النفس أمارة بالسوء ومداخل الشيطان إليها أكثر من أن تحصى (والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) ومن وصايا عمر بن الخطاب في هذا المعنى قوله :( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتهيئوا للعرض الأكبر }.إن ضغوط الجاهلية التي يواجهها الداعية في حياته كثيرة ومتعددة .....فهو يشعر بغربته وشذوذ المجتمع من حوله .....وهو يحس بأن كل مظاهر المدينة الحديثة ليس لها الأهداف للإغواء والإغراء وتقويض القيم والمثل العليا وتدمير الأخلاق والمكارم وإشاعة الرذائل والفواحش في المجتمع ........
وهو لذلك بحاجة ماسة إلى (صيانة) نفسه من التأثر والانحراف ليقوى على المضي في الطريق الذي يرضي الله وليتمكن من مكافحة الجاهلية وتسديد الضربات القاضية إليها على كل صعيد .
ومسألة (الصيانة ) هذه إن لم تتخذ في حياة الأخ شكلاً جدياً فستبقى -لا محالة -كلمة فارغة ليس لها في واقعه أدنى مدلول أو تأثير ........
من أجل ذلك اقترح على الأخوة سواء كانوا أفراداً مبتدئين أو دعاة لامعين أو قادة ومسئولين أن يكون لهم مع أنفسهم موعد يومي للمحاسبة والصيانة ...واقترح أن تجري المحاسبة يومياً على الأمور التالية ومدى التزام الأخ بها :

1- إن قيام الليل (مدرسة روحية ) لا تفوت ....ومولد الطاقة الإيمانية لا يعدله آخر ولا غنى بسواه ....وهذا سر قول الله تعالى فيه :{ إن ناشئة الليل هي أشد وطأَ وأقوم قيلا}...فهل قمت شيئاً من ليلتك الفائتة نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً أم أنك كنت من النائمين الغافلين ساعة ينزل ربنا تبارك وتعالى في ثلث الليل الأخير فيقول ( هل من مستغفر فأغفر له من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطية ؟).
ثم أين أنت يا أخي من الذين وصفهم الله تعالى بقوله :{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع }و{كانوا قيلاً من الليل ما يهجعون }.{ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب }.
روى الطبراني في الكبير عن  سلمان الفارسي رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد).

2- ثم هل تعلم يا أخي بأن لله ملائكة يتعاقبون فينا بالليل والنهار وإنهم يجتمعون في صلاة الفجر والعصر ثم يعرجون إلى السماء فيسألهم الله -وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي ؟فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ...فهل أديت صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة فكنت من الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من صلى الصبح فهو ذمة الله فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله من ذمته شيء).
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً ليصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ).

3- واعلم يا أخي قلبك بحاجة إلى عذب معين القرآن يمنحه السكينة والطمأنينة ويكسبه الشفافية والإرهاف وإن المؤمنين هم الذين لهم قلوب حية نابضة مرهفة :{ إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }....فهل قرأت ورداً  من القرآن بعد صلاة الفجر وذكرت الله خالياً متضرعاً حتى فاضت عيناك ؟! أم أنك من الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فهي كالحجارة !
ألم تسمع يا أخي إلى قول الله تعالى:{إن قرآن الفجر كان مشهوداً}.وقول الرسول صلى الله عليه وسلم :(إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب ).وقوله :(من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحي إليه لا ينبغي لصاحب القرآن  أن يجد (أي يغضب ) مع من جد ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله )ثم لا تنس أن تقرا القرآن وكأنه يتنزل عليك لأول مرة .

4- وحين تجلس على مائدة الطعام فهلا فكرت قليلاً في الغاية التي من أجلها تأكل وفي هذه النعم والطيبات التي هيأها لك الله لتكون غذاء وقوة تعنيك على شكره وطاعته وتمدك بالقوة للجهاد في سبيله .
ثم هل دققت في المصادر التي حصلت منها على هذه الأطعمة والأشربه وتحريت عن الحلال الطيب منها وتعففت عن  الخبيث ...

5- وحين تخرج من بيتك ....ينبغي أن تدرك أن الإسلام دين عمل لا كسل ودين سعي لا بطالة .وإن من واجبك كمسلم أن تنتشر في الأرض وتبتغي من فضل الله متاجراً عاملاً متكسبا ....فهل قمت اليوم بقسطك من هذا الجهاد وأديته بإتقان وإخلاص عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم :(إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ).....
ثم هل طهرت مالك بالإنفاق على الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات وأديت الزكاة المفروضة فيه عليك .وكنت بذلك من المشركين .
روى البخاري عن المقداد بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال :(ما أكل أحد طعاماً  قط خيراً من أن يأكل من عمل يده ).

6- وفي الشوارع التي تمر بها وفي المجتمعات التي تغشاها هل كنت دائم المراقبة لله !
- هل وقع بصرك على الحرام فغضضته واستغفرت الله لعلمك بأن النظرة الأولى لك والثانية عليك وإن النظرة سهم من سهام إبليس .
هل دعتك امرأة ذات منصب وجمال فأعرضت وقلت أنني أخاف الله ثم رددت بينك وبين نفسك { رب السجن أحب إلى مما يدعونني  إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } .
-هل تحريت في تجارتك عن الحلال من الرزق وإن كان قليلاً ؟....
-هل فرط منك ما تعتبره مخالفة شرعية ؟
هل استشعرت في كل عمل رقابة الله ووزنته بميزان الإسلام وتورعت عن الشبهات وكنت من المتقين الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله :(لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ).

7- والآن اسأل نفسك عن مدى استفادة الإسلام من ظروف عملك .هل يشعر زملاؤك بأثرك الإسلامي فيهم ...هل قمت بزيارتهم في منازلهم لتوثيق الصلة بهم ومحاولة اجتذابهم إلى الفكرة وإلى الحركة إن من واجبك أن تتحرك في  كل ميدان وأن تترك وراءك أثراً إسلامياً في كل مكان واذكر دائما قول الرسول صلى الله عليه وسلم :(لئن يهدي الله بك رجلا واحداً خيراً لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ).
إن لديك يا أخي متسعاً من الوقت خارج وقت عملك .... وإن من واجبك أن تتقدم منه قسطاً وافراً لدعوتك ...والوقت كالسكين إن لم تقطعه قطعك ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا قوله :(نعم العطية كلمة حق تسمعها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعملها إياه ).
روى مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ).

8- ثم لا تنس أن تسأل نفسك عن الأوقات التي توفرها وتنظمها لتنمية ثقافتك الإسلامية والعامة .... فأنت تعيش في مجتمع تشعبت ثقافاته وتعددت اتجاهاته وتباينت أفكاره وتصوراته .... وهذا مما يفرض عليك الإحاطة بما حولك من أفكار وتصورات لتتمكن من التحليل والتشخيص والمناقشة والنقد والإصلاح .....
-فهل طالعت شيئا عن الإسلام طيلة هذا اليوم ؟
-هل قرأت شيئا تعتبره مفيداً لثقافتك العامة الفكرية والسياسية ...
روى ابن عبد البر في كتاب العلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنة وهو الأنيس في الوحشية والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء والزين عند الأخلاء يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة قائمة تقتفي آثارهم ويقتدي بفعالهم وينتهي إلى رأيهم -الحديث ).

9-والآن اسأل نفسك عن مدى استعدادها للبذل والتضحية في سبيل الله ....إن أثقالاً كثيرة تشدك إلى الحطام وتمرغك في الرغام فهل حاولت أن تتخفف من هذه الأثقال وتتحرر من سلطانها عليك ؟
-إن الخوف على الحياة ثقل ويقعد بك عن الجهاد في سبيل الله ينبغي أن تتحرر منه .....
وإن الخوف على المصلحة المادية ثقل يحول بينك وبين التفرغ لدعوتك وإسلامك يجب أن تتخلص منه .
- وإن التعلق بالزوجة والولد والأهل والعشيرة أثقال تعيق الانطلاق يجب التفلت من سلطانها
إن عليك في كل الأحوال أن تغلب مصلحة الإسلام على كل مصلحة وتخضع أهواءك لما جاء به الشرع وتكون مستعداً دائماً وأبداً للموت في سبيل الله .
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ).
وروى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم :وهو على المنبر يقول {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ...} ...وألا أن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ).
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة ).

10- وأخيراً لا آخر هل فكرت في هذا الجسد ...في حقه عليك وفيما ينبغي أن توفره له ليكون قوياً جداً قادراً على تحمل أعباء السفر الطويل والجهاد المرير .....ينبغي أن تدرك أن المؤمن القوي خير  إلى الله من المؤمن الضعيف ....

                                              سامى العقيبى